محمد بن جرير الطبري
191
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الضحاك . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر عن الضحاك ، قال : فضل الله الإسلام على كل دين ، فقال : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ إلى قوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وليس يقبل فيه عمل غير الإسلام ، وهي الحنيفية . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . يعني بذلك جل ثناؤه : واتخذ الله إبراهيم وليا . فإن قال قائل : وما معنى الخلة التي أعطيها إبراهيم ؟ قيل : ذلك من إبراهيم عليه الإسلام العداوة في الله والبغض فيه ، والولاية في الله والحب فيه ، على ما يعرف من معاني الخلة . وأما من الله لإبراهيم ، فنصرته على من حاوله بسوء ، كالذي فعل به إذ أراده نمروذ بما أراده به من الإحراق بالنار ، فأنقذه منها ، وأعلى حجته عليه إذ حاجه ، وكما فعل ملك مصر إذ أراده عن أهله ، وتمكينه مما أحب ، وتصييره إماما لمن بعده من عباده وقدوة لمن خلقه في طاعته وعبادته ، فذلك معنى مخالته إياه . وقد قيل : سماه الله خليلا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب ، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل وقال بعضهم : من أهل مصر في امتيار طعام لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته ، فلما قرب من أهله مر بمفازة ذات رمل ، فقال : لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة ، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون ففعل ذلك ، فتحول ما في غرائره من الرمل دقيقا ، فلما صار إلى منزله نام وقام أهله ، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا ، فعجنوا منه وخبزوا ، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا ، فقالوا : من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك ، فعلم ، فقال : نعم هو من خليلي الله . قالوا : فسماه الله بذلك خليلا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني بذلك جل ثناؤه : واتخذ الله إبراهيم خليلا لطاعته ربه ، وإخلاصه العبادة له ، والمسارعة إلى رضاه ومحبته ، لا من حاجة به إليه وإلى خلته ، وكيف يحتاج إليه وإلى خلته ، وله ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير ملكا ، والمالك الذي إليه حاجة ملكه دون حاجته إليه ، فكذلك حاجة إبراهيم إليه ، لا حاجته إليه ، فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ، ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته . يقول : فكذلك فسارعوا إلى رضاي ومحبتي لأتخذكم لي أولياء . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ولم يزل الله محصيا لكل ما هو فاعله عباده من خير وشر ، عالما بذلك ، لا يخفى عليه شيء منه ، ولا يعزب منه مثقال ذرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعني جل ثناؤه بقوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ويسألك يا محمد أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء ، والواجب لهن وعليهن . فاكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهن ، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه . قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ قل لهم يا محمد : الله يفتيكم فيهن ، يعني في النساء . وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فقال بعضهم : يعني بقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ قل الله يفتيكم فيهن ، وفيما يتلى عليكم ، قالوا : والذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض ، التي في أول هذه السورة في النساء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ، ولا يورثون المرأة ؛ فلما كان الإسلام قال : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ في أول السورة في الفرائض اللاتي لا تؤتونهن ما كتب الله لهن . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى